تسببت برامج القروض القوية التي أُطلقت لدعم الاقتصاد في مواجهة العقوبات الغربية بعد العملية العسكرية الخاصة التي شنتها روسيا على أوكرانيا، في تراكم مخاطر جسيمة بالنظام المصرفي. وبينما تتزايد ديون الشركات والمواطنين بسرعة، تتعقد عمليات السداد بفعل ارتفاع أسعار الفائدة وتباطؤ النمو الاقتصادي.
الديون تصل إلى ذروتها
منذ عام 2022، وسّعت الدولة برامج القروض المدعومة لتشمل، إلى جانب الصناعات الدفاعية، قطاعات الزراعة والمشاريع الصغيرة والمصانع التي تعمل على إحلال الواردات. وفي الوقت نفسه، ازداد اقتراض الأسر بفعل حوافز القروض السكنية. وأسفرت هذه السياسات عن زيادة ديون الشركات في روسيا بنسبة 93%، وديون الأسر بنسبة 57% مقارنة بمستويات عام 2021.
الإفلاس يرتفع إلى ثلاثة أضعاف
وفقاً للبيانات الرسمية، تقدم 636 ألف مواطن روسي بطلبات إفلاس فردي في عام 2025، وهو ما يمثل زيادة بأكثر من ثلاثة أضعاف مقارنة بـ 197 ألف طلب في عام 2021. وفي الربع الأول من عام 2026، ارتفعت طلبات الإفلاس بنسبة 13.7% عن الفترة نفسها من العام السابق، لتصل إلى 137 ألفاً و500 طلب.
كما سُجل ارتفاع كبير في حالات إفلاس الشركات. وفقاً لسجلات 'فيدريسورس'، أفلست 3,550 شركة في النصف الأول من عام 2026، بزيادة 10.8% عن الفترة نفسها من العام الماضي. وتواجه المشاريع الصغيرة جداً صعوبات خاصة؛ فاعتباراً من أبريل 2026، عانى نحو 10% من هذه المشاريع التي تضم أقل من 15 عاملاً من مشكلات حادة في سداد القروض خلال العام الماضي.
الأصول المتعثرة تتجاوز العتبة الحرجة
وفقاً لتقرير صادر في مايو عن مركز 'تسماكيب' للأبحاث ومقره موسكو، تجاوز إجمالي 'الأصول المتعثرة' التي تحتفظ بها البنوك 'العتبة الحرجة' البالغة 10%. وأشار التقرير إلى أن الأزمة تتطور بشكل مستتر، إذ يتم إخفاء تدهور جودة الأصول من خلال إعادة هيكلة القروض المتأخرة وهيمنة البنوك الحكومية. ويمثل هذا الرقم نحو 10% من إجمالي القروض المصرفية الممنوحة للشركات والأسر، أي ما يعادل 12 تريليون روبل (153.6 مليار دولار).
ويرسم تقرير استخباراتي أوروبي نقلته وكالة رويترز صورة مماثلة. وجاء فيه أن 10% من القروض الممنوحة للشركات ذات جودة 'مشكوك فيها'، الأمر الذي يخفي 'وضعاً متفجراً' للقطاع المصرفي. وخلص التقرير إلى أن الحكومات الغربية تملك فرصة لفرض عقوبات جديدة قادرة على جر روسيا إلى أزمة مصرفية شاملة.
البنك المركزي يواصل إعادة الهيكلة
يؤكد البنك المركزي الروسي أن الوضع المالي للمصارف سليم وأن لديها احتياطيات كافية لمواجهة موجة تعثر محتملة. وفي يوليو، صدرت تعليمات للبنوك بمواصلة إعادة هيكلة قروض الشركات التي تمر 'بصعوبات مؤقتة'. وتبلغ حصة القروض المتعثرة رسمياً نحو 4% من الإجمالي، لكن محللين يشيرون إلى أن كبار المقترضين يفضلون إعادة الهيكلة بدلاً من التخلف المباشر عن السداد، مما قد يخفي نسبة حقيقية أعلى.
خبراء: الكرملين قد يحتاج إلى دعم من الميزانية
يرى ماكسيميليان هيس، الباحث في معهد أبحاث السياسة الخارجية، أن نسبة 10% من القروض المتعثرة تشكل مؤشراً على ضائقة مصرفية كبيرة وفق معايير صندوق النقد الدولي، وأن التعافي منها سيستغرق وقتاً طويلاً. وقال هيس إن الكرملين قد يضطر إلى ضخ سيولة نقدية في البنوك من الميزانية الفيدرالية أو صندوق الرفاه الوطني لتخفيف الضغط، الأمر الذي سيزيد العبء على الميزانية.
وأضاف هيس أن أزمة أعمق قد لا تظهر إلا إذا فرض الغرب عقوبات جديدة تقيّد عائدات موسكو من العملة الصعبة وصادرات الطاقة إلى المشترين الآسيويين. لكنه استدرك قائلاً إن صناع السياسة الأوروبيين ليسوا مستعدين بعد لاتخاذ مثل هذه الخطوات، وإن تأثير الهجمات التي تشنها أوكرانيا بطائراتها المسيّرة على الصادرات الروسية لم يتضح بعد.