مع دخول الحرب في أوكرانيا مرحلة الاستنزاف المتبادل، تتكبد روسيا خسائر بشرية فادحة مقابل مكاسب ميدانية محدودة. ويُذكر أن عدد القتلى والجرحى اليومي يقترب من ألف، وأن تدفق المجندين الجدد لا يعوض هذه الخسائر.
حرب الاستنزاف والمأزق العسكري
في التحليل الذي نشرته صحيفة التلغراف بتوقيع ديفيد بلير، يُشار إلى أن هذا المشهد يدفع الكرملين إلى البحث عن خيارات خارج ساحة المعركة التقليدية. ووفقاً للتحليل، قد تلجأ روسيا إلى استراتيجية تُسمى "التصعيد الأفقي" بهدف تقسيم الناتو وإحداث شرخ بين الولايات المتحدة وأوروبا.
ويُشار إلى أن بعض الأوساط داخل القيادة العسكرية الروسية قد تقترح استهداف شبكة الدعم الأوروبية التي تُوصف بأنها "المنطقة الخلفية" لأوكرانيا، والتي تزود كييف بالتمويل والسلاح. ومع أن روسيا تمارس بالفعل في أوروبا أساليب الحرب الهجينة التي تشمل التخريب والحرق والتشويش الإلكتروني والهجمات غير المباشرة، إلا أنها لم تحقق هدف وقف الدعم الغربي، بل أدى ذلك في بعض الحالات إلى زيادة هذا الدعم.
سيناريو التصعيد الأفقي
ويلفت التحليل إلى أن التراجع النسبي للدعم الأمريكي في عهد دونالد ترامب ألقى بعبء أكبر على أوروبا، مرجحاً أن يدفع هذا الوضع بوتين إلى الانتقال من الحرب غير المباشرة إلى توجيه ضربات عسكرية محدودة لدول الناتو. ويُعرَّف الهدف بأنه اختبار صمود الحلف وتأجيج الانقسام بين الولايات المتحدة وأوروبا.
وتُعد بولندا الهدف الأرجح في سيناريوهات تشمل الهجوم على البنية التحتية بطائرات مسيّرة، أو عمليات محدودة، أو تسلل بري صغير النطاق عبر بيلاروسيا أو كالينينغراد. وتشير مصادر مقربة من الرئيس البولندي كارول نافروتسكي إلى أن مسؤولين أمريكيين حذروا من أن روسيا قد تضرب البنية التحتية الحيوية للبلاد أو تشن عملية برية محدودة.
مخاطر التصعيد
غير أن التحليل يشدد على أن هذه السيناريوهات تنطوي على مخاطر كبيرة. ويُبرز أن أي هجوم مباشر على دولة عضو في الناتو قد يستدعي رداً سريعاً وحاسماً، بل قد يتجاوز آليات التشاور التقليدية للحلف. ومن شأن تصعيد كهذا أن يأتي بنتائج عكسية، فيعزز وحدة الناتو ويزيد الدعم العسكري لأوكرانيا.
ويذكر المقال أن بوتين لا يزال متمسكاً في الوقت الراهن بخيار البحث عن النصر داخل أوكرانيا، لكنه يحذر من أن استمرار المأزق والاستنزاف يبقي خطر انتقال الحرب إلى ما وراء حدودها الحالية قائماً. ويُقيَّم احتمال اتساع رقعة الصراع مع الناتو بأنه ليس مؤكداً أو وشيكاً، لكنه يظل احتمالاً لا يمكن تجاهله.