أصبح فشل إيطاليا وألمانيا في كأس العالم 2026 علامة على الأزمات العميقة في هذين البلدين الأوروبيين المهمين. ووفقًا لتحليلات نشرتها نيويورك تايمز ونيوزويك، فإن تراجع منتخبي البلدين يعكس قضايا هيكلية مثل الركود الاقتصادي والاستقطاب السياسي والمشاكل الديموغرافية.
إيطاليا: انخفاض عدد السكان وأزمة الهوية الوطنية
أحبطت إيطاليا الآمال بعدم تأهلها لنهائيات كأس العالم 2026 للمرة الثالثة على التوالي. في البلاد، تُعتبر كرة القدم جزءًا من الهوية الوطنية تقريبًا؛ غياب إيطاليا، التي لديها أربعة ألقاب عالمية، تسبب في صدمة عميقة.
ووفقًا لما نقلته نيويورك تايمز، قال الكاتب الإيطالي ألدو كازولو إن الفشل الرياضي يُظهر "أن البلاد لا ترقى إلى إمكانياتها ليس فقط في كرة القدم، بل في كل المجالات". في الواقع، تعاني إيطاليا من مشاكل مثل الانخفاض السريع في عدد السكان، والشيخوخة، والركود الاقتصادي، وهجرة المواهب الشابة إلى الخارج.
كرة القدم هي أحد المجالات النادرة التي تخلق شعورًا بالوحدة لدى الإيطاليين. على حد تعبير أحد المشجعين: "فقط عندما تلعب إيطاليا في كأس العالم نشعر بأننا إيطاليون". حتى النجاحات الثقافية والسياحية لا توفر نفس الرابط المشترك للهوية.
ألمانيا: الركود الاقتصادي والانقسام السياسي
ألمانيا، التي فازت بآخر بطولة كأس عالم في 2014، ودعت بطولة 2026 مبكرًا. يُنظر إلى هذه النتيجة على أنها امتداد لتراجع طويل الأمد في البلاد.
قال رئيس معهد إيفو للأبحاث الاقتصادية كليمنس فوست: "إن تراجع المنتخب الوطني يعكس التدهور في الأداء الاقتصادي والانسجام السياسي في ألمانيا". وأشار فوست إلى أن الاقتصاد توقف فعليًا عن النمو منذ عام 2019، بينما تصف التقارير الأوروبية السنوات الأخيرة بأنها "عقد ضائع".
ووفقًا لنيوزويك، فإن الحرب في أوكرانيا، وارتفاع أسعار الطاقة، والرسوم الجمركية الأمريكية، والمنافسة الصينية، هزت بشكل خاص قطاع السيارات. يواجه مصنعو السيارات، الذين يشكلون العمود الفقري للصناعة الألمانية، تحديات التحول إلى السيارات الكهربائية وفقدان الحصة في الأسواق العالمية.
في نفس الفترة، تغير المشهد السياسي أيضًا. مع صعود حزب البديل من أجل ألمانيا (AfD) اليميني المتطرف، أصبحت قضية الهجرة أكثر القضايا انقسامًا في المجتمع. هذا المشهد مختلف تمامًا عن الفترة التي كانت فيها ألمانيا تحت قيادة المستشارة السابقة أنغيلا ميركل توصف بأنها القائد بلا منازع لأوروبا.
ما وراء الملاعب الخضراء: استعارة لأوروبا
تُظهر تحليلات كلتا الصحيفتين أن نتائج كرة القدم لا تفسر بمفردها حالة البلدين، لكنها تعكس المشاكل القائمة. ففي إيطاليا، أدى نقص الاستثمار في الشباب والتعليم والرياضة إلى تراجع المنتخب الوطني؛ بينما في ألمانيا، انعكس التباطؤ الاقتصادي والضغوط الصناعية والاستقطاب السياسي على الأداء في الميدان.
أكدت نيويورك تايمز أن إنقاذ كرة القدم الإيطالية لا يمر فقط عبر تغيير المدرب، بل عبر حل المشاكل الهيكلية في البلاد. أما نيوزويك فقالت إن ألمانيا بحاجة إلى إصلاحات اقتصادية وسياسية عميقة لاستعادة مكانتها السابقة.
ما زالت برلين تمتلك قوة اقتصادية كبيرة ومؤسسات قوية، لكنها لم تعد النموذج الأوروبي بلا منازع كما كانت قبل عقد من الزمن. تحول غياب إيطاليا عن البطولة وخروج ألمانيا المبكر إلى قصة أوروبا حيث يصعب الثقة بالمستقبل بالاعتماد على إنجازات الماضي.