تحول منتدى سانت بطرسبرغ الاقتصادي الدولي هذا العام إلى منصة تكشف في آن واحد التناقضات الحادة في المشهد الاقتصادي الروسي. افتتح المنتدى باستهداف طائرة مسيرة أوكرانية لمحطة نفط ومنشآت بنية تحتية أخرى، مما أصبح رمزاً لتوتر اقتصاد الحرب الذي سيطغى على بقية فعاليات المنتدى.
شهدت الاجتماعات وجود أربع حقائق اقتصادية مختلفة متجاورة. بينما ركزت التصريحات الصادرة عن الكرملين على سرد نمو تحت سيطرة الدولة، سلطت إدارة المالية الضوء على انضباط الميزانية، في حين أشار القطاع الخاص إلى الضغوط المالية التي تعيق الاستثمار. النتيجة كانت صورة تتألف من أربع نوافذ مختلفة تنظر إلى نفس الاقتصاد لكنها لا تتطابق مع بعضها البعض.
بوتين يؤكد على النمو والاستقرار
لكن هذا السرد لم يكن مقنعاً عند مقارنته بالضغوط الاقتصادية على الأرض. رغم التفاؤل الصادر من الطبقة العليا في الدولة، تشير بعض المؤشرات إلى تصاعد التوتر في سوق العمل والمالية العامة. الإطار المقدم للجمهور يؤكد أن الصعوبات الحالية هي أثمان يجب تحملها لتجنب انهيار أكبر.
سيلوانوف يطالب بتشديد الميزانية
قال وزير المالية أنطون سيلوانوف إنه يجب مواءمة قاعدة الميزانية مع سياسة الروبل الأكثر قابلية للتنبؤ. وأكد أن سعر الصرف سيكون أكثر توقعاً، مما يجعل الميزانية محور التركيز.
تشير هذه المقاربة إلى إعادة ضبط الإنفاق في الميزانية. على الرغم من ارتفاع أسعار النفط والغاز بعد فبراير، فإن الإيرادات أقل بحوالي 30% مقارنة بنفس الفترة من العام الماضي، مع فارق يقارب 3 تريليونات روبل. وأوضح سيلوانوف أن عجز الميزانية سيتجاوز قليلاً الهدف المحدد سابقاً بنسبة 1.6% من الناتج المحلي الإجمالي.
مع اقتراب الربع الأخير من العام، يثار تساؤل حول مدى واقعية هذه الأهداف. جاء جزء كبير من زيادة الإيرادات من تحصيل ضريبة القيمة المضافة التي ارتفعت تلقائياً بسبب التضخم المرتفع، مما يعزز التساؤل عما إذا كان النمو واسع النطاق ومستداماً أم مجرد راحة مالية مؤقتة ناجمة عن ضغوط الأسعار.
تزايد التحذيرات بشأن الإنفاق العسكري
أفادت التقييمات المغلقة للمسؤولين بوجود تحذيرات من عدم استدامة الإنفاق العسكري. ومع ذلك، يبدو أن الجانب السياسي يرى عكس ذلك، حيث يُعتبر الحفاظ على تدفق الأموال الحالي أولوية للنظام.
إذا استمر الإنفاق على القطاعات والمجموعات ذات الصلة بالحجم الحالي، فمن المتوقع أن تزداد المنافسة على الموارد الحكومية. إذا كانت إدارة المالية جادة في تحقيق توازن الميزانية خلال ثلاث سنوات، فسيكون من الضروري تقليل الإنفاق. في هذه المرحلة، يُعتقد أن زيادة الضرائب قد تؤدي إلى رفع التضخم، وتقييد الاستثمار، أو الضغط على دخل الأسر.
انتقادات لوصفة الحكومة "الاقتصاد الافتراضي"
تبنت الحكومة نهجاً آخر يرى أن النمو يمكن تحقيقه من خلال زيادة إنتاجية العمل، والتحول التكنولوجي، وتحسين بيئة الأعمال، وإعادة توزيع القوى العاملة. لكن هذه الوصفة قوبلت في المنتدى بانتقادات وُصفت بأنها "وعود رخيصة". رغم أن سوق العمل الضيق أجبر بعض الشركات على الاستثمار في التكنولوجيا، فإن معظم زيادة الإنتاجية في الاقتصاد الأوسع جاءت من عمل الموظفين لساعات أطول وتحت ضغوط أكبر.
تم التشكيك أيضاً في كون التحول التكنولوجي قوة دافعة حقيقية. وأُبرز أن استثمارات روسيا في البحث والتطوير ليست ذات مستوى ملحوظ، وأن المنافسة مع المنتجين الصينيين لا يمكن حصرها إلا بحماية قوية. كما تم التأكيد على صعوبة تحسين بيئة الأعمال بشكل ملحوظ في النظام السياسي الحالي.
غريف يدعو إلى تغيير سياسي لتعزيز الاستثمار
قال المدير التنفيذي لسبر بنك، جيرمان غريف، هذا الأسبوع إن نطاق أسعار الفائدة بين 10% و12% أصبح حاجزاً نفسياً لقطاع الأعمال. وأوضح أن انخفاض التضخم يزيد من الضغط الحقيقي لهذه الأسعار، وأن شهية الاستثمار لن تتحسن دون تغيير في النهج السياسي.
أشار غريف أيضاً إلى أن استمرار ضغوط الأسعار بمعدل 2023 و2024 قد يجعل هذه الأسعار أقل إشكالية، لكن في الظروف الحالية تضعف هذه المستويات قطاع الأعمال. وأرجع عدم إمكانية خفض الفوائد أكثر إلى أن جانب العرض، وخاصة سوق العمل، وصل إلى حدوده.
برزت دعوة غريف لـ"دعم قطاع الأعمال" كتحذير بأن الشركات الكبيرة والصغيرة هي أساس الدولة. جوهر الرسالة هو أن استمرار الضغوط الاقتصادية سيؤدي إلى مزيد من اختلال التوازن.
الصورة في المنتدى تظهر حدود اقتصاد الحرب
تتعارض الروايات الاقتصادية الأربع المعروضة خلال الفعالية أكثر مما تدعم بعضها البعض. الدولة تروي قصة نمو تخفف من الأضرار، إدارة المالية تستعد لتقليص الإنفاق، والقطاع الخاص يشكو من التكاليف المالية والسياسية للاستثمار.
تكشف هذه التناقضات كيف أعاد الحرب تشكيل هيكل الاقتصاد الروسي. توجيه الموارد نحو الصناعة العسكرية والمجموعات المستفيدة من الصراع يضيق المجال للنمو المدني. الحلول السياسية المعروضة كأنها مختبرية لا تكفي لمعالجة المشاكل الهيكلية دون تغيير النظام السياسي والمالي الحالي.
في النهاية، بقي المنتدى كواجهة لا تقدم الكثير ولا تبقى الكلمات لتقال. الرسائل المعروضة محاصرة بين السعي للتعافي الاقتصادي وعدم التوازن الدائم الذي تخلقه الحرب.