أصبحت قناة بنما، التي تربط بين المحيط الأطلسي والمحيط الهادئ، أكثر عرضة لنقص المياه وكميات المياه الزائدة بسبب تزايد تقلبات نمط هطول الأمطار. ويؤدي ارتفاع درجات الحرارة في المنطقة، واشتداد الهطولات المطرية، وطول فترات انقطاع الأمطار إلى تعقيد إدارة موارد المياه في أحد الممرات المائية المهمة للتجارة العالمية.
افتُتحت القناة في 15 أغسطس 1914، وكانت أول سفينة تعبرها الباخرة الأمريكية أنكون. وقد أدى دخول القناة إلى الخدمة إلى تغيير مسار الاتصال بين المحيطين الأطلسي والهادئ في النقل البحري الدولي.
تقلبات الأمطار تتصدر المشهد أكثر من كمياتها
قال ستيفن باتون، مدير برنامج الرصد الفيزيائي في معهد سميثسونيان لأبحاث المناطق الاستوائية، إن التقلبات المناخية أصبحت أكثر وضوحًا في محيط قناة بنما خلال السنوات الأخيرة. وأوضح باتون أن درجات الحرارة ارتفعت بنحو درجة مئوية واحدة، ولا سيما خلال ساعات الليل، في المناطق الواقعة خارج المدن.
وقال باتون إن بعض التقديرات تشير إلى ارتفاع درجات الحرارة في مدينة بنما بمقدار يصل إلى 3 درجات، موضحًا أن هذه التقديرات لم تخضع لمراجعة الأقران وأن الزيادة قد تكون مرتبطة بتأثير الجزيرة الحرارية الحضرية. وأضاف الخبير أنه لم يُرصد تغير ذو دلالة إحصائية في متوسط كمية الأمطار في بنما، وأن أمطار الأحواض تُظهر في السجلات طويلة الأجل تقلبًا طبيعيًا يبلغ نحو 20% على مدى 10 سنوات.
وبحسب باتون، يظهر التغير الأساسي في توزيع الأمطار. فإلى جانب الهطولات المطرية الأشد على المستوى اليومي وفترات انقطاع الأمطار الأطول، تُلاحظ تقلبات أكبر على المستويين الموسمي والسنوي أيضًا.
فترات الجفاف والأمطار القياسية تعاقبت في 2026
وقدّم باتون عام 2026 مثالًا لافتًا على هذا التذبذب. فقد كانت الفترة من يناير إلى مارس، التي تمثل الأشهر الثلاثة الأولى من موسم الجفاف، الأكثر هطولًا للأمطار منذ بدء تسجيل البيانات. وفي المقابل، وُصفت الفترة من أبريل إلى يوليو بأنها الأكثر جفافًا على الإطلاق.
وقال الخبير إن هذه كانت ثالث موجة جفاف خطيرة مرتبطة بظاهرة إل نينيو خلال 10 سنوات، وإن فترات جفاف بهذا الحجم لم تُرصد من قبل على فواصل زمنية قصيرة إلى هذا الحد. وأوضح أن أرشيف هيئة قناة بنما للأمطار، الممتد بلا انقطاع على مدى 143 عامًا، يوفر مجموعة بيانات فريدة لدراسة التغيرات المناخية طويلة الأجل في المنطقة.
مياه الشرب تتقدم على النقل عبر القناة
وشدد باتون على ضرورة توخي الحذر عند الربط بين التقلبات المناخية والظواهر الجوية المنفردة، موضحًا أن القول إن تغير المناخ أدى إلى نتيجة محددة يتطلب إثبات العلاقة بشكل قاطع في منشورات خضعت لمراجعة الأقران. وقال إنه يستخدم لذلك تعبير «التقلبات المناخية» الأكثر حذرًا في تقييماته.
وقال باتون إن سكان المنطقة المحيطة بقناة بنما والقناة نفسها يحتاجون إلى المياه، موضحًا أن توفير مياه الشرب محمي بموجب القوانين، وأن هيئة قناة بنما ملزمة بإعطاء الأولوية لهذا الاحتياج على النقل البحري. وأشار الخبير إلى أن الفترة الأكثر حرجًا تمتد من يناير إلى أبريل، وهي موسم الجفاف، مضيفًا أن احتياطيات المياه يجب التنبؤ بها قبل أشهر وأن لكل ظاهرة إل نينيو كبيرة نتائج مختلفة.
فرض قيود على العبور خلال فترات النقص
وقال باتون إن هيئة قناة بنما تواصل تطوير إدارة الموارد خلال فترات نقص المياه، مستشهدًا بفترة 2015-2016. وأوضح الخبير أنه في يونيو 2015 فُرضت قيود على أحجام السفن وعدد مرات العبور، وأن هذا القرار ساعد، رغم تسببه في خسارة إيرادات، على منع نقص حاد في المياه خلال موسم الجفاف عام 2016.
وقال باتون إن التغير في نمط هطول الأمطار يؤثر أيضًا في الغابات الواقعة ضمن حوض القناة، موضحًا رصد زيادة كبيرة في أعداد النباتات المتسلقة على الأشجار، وأن أسباب ذلك ونتائجه المحتملة قيد البحث. ووفقًا لأبحاث معهد سميثسونيان، تعمل الغابات كإسفنجة عملاقة تخزن المياه خلال موسم الأمطار وتطلقها تدريجيًا خلال موسم الجفاف. وقال باتون إن اختلال هذا النظام قد يؤثر في وصول القناة إلى المياه.
وأوضح باتون أن الحكومة المركزية في بنما وهيئة قناة بنما تطوران قوانين وسياسات لحماية الغابات الواقعة في حوض القناة ومحيطه واستعادتها. وفي هذا الإطار، تُجرى دراسات حول أنواع الأشجار المحلية وأساليب الزراعة الملائمة لاستعادة الغابات.
الرصد طويل الأجل يدعم قرارات التكيف
وقال باتون إن الرصد العلمي يتيح اكتشاف التغيرات البيئية مبكرًا ووضع استراتيجيات التكيف في الوقت المناسب، مشيرًا إلى أن الناس قد يواجهون صعوبة في ملاحظة التغيرات التي تظهر على المدى الطويل. وأضاف أن القياسات المنتظمة تجعل التطورات التي قد لا تُلاحظ مرئية من خلال البيانات.
وقال الخبير إن البيانات العلمية توفر لصانعي القرار أساسًا للتحرك، وتساعد منظمات المجتمع المدني على تقييم السياسات العامة. وشدد على أن السجلات طويلة الأجل ضرورية لفهم الفرق بين التغيرات المناخية والدورات الطبيعية.
وأوضح باتون أنه لوحظ في أوائل تسعينيات القرن الماضي انخفاض هطول الأمطار في حوض القناة على مدى 10 إلى 20 عامًا. وأدى ذلك إلى مخاوف من جفاف القناة، لكن جمع مزيد من البيانات أظهر أن هذا الانخفاض كان جزءًا من دورة الأمطار الطبيعية. وقال باتون إن ظواهر إل نينيو القوية زادت خلال السنوات الثلاثين الماضية، موضحًا أن البيانات المتاحة لا تكفي بعد للقول إن ذلك ناجم عن الاحترار العالمي.
الأمطار الغزيرة تهديد خطير بقدر نقص المياه
وقال باتون إن أكبر مخاطر المناخ على قناة بنما خلال العقود المقبلة تتمثل في تزايد تقلبات نمط هطول الأمطار، موضحًا أن الخطر لا يقتصر على نقص المياه. وأضاف الخبير أن حوض القناة شهد في عام 2010 هطول كمية قياسية من الأمطار خلال 48 ساعة، وأن حجم المياه كاد يتجاوز القدرة الاستيعابية للقناة.
وقال باتون إن إدارة القناة يجب أن تضمن توفير كمية كافية من المياه خلال فترات الجفاف، وأن تسيطر كذلك على كميات المياه الزائدة التي تظهر أثناء الهطولات الغزيرة. وأضاف أن النمو السكاني وارتفاع الطلب على مياه الشرب سيزيدان الضغط على الموارد، مشددًا على ضرورة وضع نماذج مشتركة للنمو السكاني واستهلاك المياه خلال العقود المقبلة.