ارتفع النقد المتداول في روسيا بمقدار 2.1 تريليون روبل، أي نحو 25.3 مليار دولار، خلال الأشهر الأولى من عام 2026 نتيجة سحوبات الأسر والشركات. وبذلك سُجلت أكبر زيادة منذ بدء الحرب.
وتجاوزت هذه الزيادة مبلغ 1.8 تريليون روبل الذي أُضيف إلى الأصول النقدية خلال الفترة من يناير إلى أغسطس 2023. وربطت الزيادة آنذاك بسحب أشخاص غادروا روسيا خلال التعبئة العسكرية، وبحالة الهلع التي أثارها تمرد فاغنر القصير، وبمدفوعات غير رسمية مرتبطة بالمرتزقة الذين كانوا يقاتلون في أوكرانيا.
توقعات بتسجيل النقد المتداول مستوى قياسيا
ويقدر سبيربنك أن ينمو النقد المتداول في روسيا بمقدار 3.8 تريليون روبل، أي نحو 45.8 مليار دولار، خلال عام 2026 بأكمله. وإذا تحقق هذا التوقع، فستبلغ الزيادة السنوية أعلى مستوى مسجل حتى الآن.
وتزامن تسارع سحوبات النقد في فبراير مع بدء روسيا قطع إشارات الاتصالات المحمولة بصورة منتظمة تحسبا لهجمات الطائرات المسيرة القادمة من أوكرانيا. وأدت انقطاعات الإشارة إلى تعطيل أجهزة الدفع بالبطاقات وتطبيقات الخدمات المصرفية عبر الهاتف المحمول.
وقال أرتيوم، الذي يعيش في موسكو وتستخدم التقارير اسما مستعارا للإشارة إليه، إن البطاقات لم تكن تعمل خلال انقطاعات الإنترنت في أنحاء المدينة خلال الربيع. وأضاف أن النقد أصبح الخيار الوحيد لشراء السلع من المتاجر ودفع تكاليف الخدمات. أما سفيتلانا، التي تعيش في منطقة سامارا، فقالت إنها واجهت مشكلات متكررة عند الدفع بالبطاقات في محلات السوبرماركت خلال الأشهر الأولى من العام، مشيرة إلى أن انقطاعات الإنترنت انتهت إلى حد كبير خلال أشهر الصيف.
مخاوف بشأن الودائع والتعبئة
كما أسهمت المخاوف العامة بشأن المدخرات الموجودة في البنوك في زيادة الطلب على النقد. وقال زعيم الحزب الشيوعي غينادي زيوغانوف في يونيو إن مدخرات الروس البالغة 67 تريليون روبل والمودعة في البنوك تثري المصرفيين، ودعا إلى استخدام هذه الأموال في التصنيع أو المجهود الحربي.
وقال دميتري أورلوف، نائب المدير العام لبنك فورا، إن ارتفاع سحوبات النقد يعكس، إلى جانب انقطاعات الإنترنت، رغبة الناس في اتخاذ تدابير احترازية ردا على تصريحات مقلقة لمسؤولين حكوميين بشأن احتمال تجميد الودائع المصرفية.
كما دفعت الشائعات المتعلقة بإجراء تعبئة عسكرية جديدة بعض الأشخاص إلى بحث خيارات الانتقال إلى الخارج. وبسبب عدم عمل البطاقات المصرفية الروسية خارج البلاد، كان على الراغبين في مغادرة البلاد سحب النقد لشراء اليورو أو الدولار.
العبء الضريبي يدفع الشركات إلى استخدام النقد
كما أثرت سلوكيات الشركات في ارتفاع استخدام النقد. ففي يناير، رفعت الحكومة ضريبة القيمة المضافة من 20 إلى 22 في المئة، وخفضت حد الدخل الذي يلزم الشركات بدفع الضرائب.
وتختار بعض الشركات الصغيرة العمل بصورة غير رسمية للبقاء تحت هذا الحد أو خفض نفقاتها. وتطلب بعض المتاجر وأكشاك القهوة وورش التصليح والفنادق في موسكو والمدن الإقليمية الصغيرة الدفع نقدا بدلا من الدفع الإلكتروني. كما تقدم بعض الشركات خصومات صغيرة على المدفوعات النقدية.
وقال المدير المالي لسبيربنك، تاراس سكفورتسوف، إن السبب الرئيسي لخروج الأموال من النظام المصرفي هو احتفاظ الشركات بالنقد المتداول لاستخدامه في معاملات «السوق الرمادية» وعدم إيداعه مجددا في البنوك. ويسهم هذا الاتجاه في نمو الاقتصاد غير الرسمي في روسيا وزيادة التهرب الضريبي.
وتشير التقديرات إلى أن الاقتصاد غير الرسمي يعادل نحو 11 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي. كما ارتفعت الجرائم المرتبطة بالضرائب بنسبة 17 في المئة على أساس سنوي خلال النصف الأول من عام 2026.
تأثير زيادة النقد في البنوك
يؤدي خروج النقد من النظام المصرفي إلى تقليص رأس المال الذي يمكن للبنوك استخدامه لتقديم القروض للمستهلكين أو شراء السندات الحكومية التي تمول عجز الموازنة ومشروعات البنية التحتية.
وحذر سكفورتسوف من أن شح السيولة قد يجبر البنك المركزي على اتخاذ تدابير دعم في وقت لاحق.
لكن زيادة النقد تبدو أكثر محدودية عند تقييمها من حيث حصتها من إجمالي المعروض النقدي. فقد نما النقد المتداول بنسبة 11.7 في المئة خلال الفترة من يناير إلى يوليو. وبقيت هذه النسبة قريبة من مستوى عام 2023، وأقل من الزيادة البالغة 22.4 في المئة المسجلة خلال أشد فترات جائحة كوفيد-19.
ويشكل النقد نحو 15 في المئة من إجمالي المعروض النقدي في روسيا، المعروف باسم M2، وقد حافظت هذه النسبة إلى حد كبير على استقرارها.
وقال الاقتصادي المقيم في موسكو يغور سوسين إن الاتجاه الهبوطي طويل الأمد لحصة النقد في السوق انعكس. وأضاف سوسين أن الصورة العامة، بعد أخذ التقلبات الموسمية في الاعتبار، لا تشير إلى وضع استثنائي.
وأشار الاقتصادي يانيس كلوغه من المعهد الألماني للشؤون الدولية والأمنية إلى زيادة الأرصدة المتاحة بسهولة في الحسابات الجارية، إلى جانب النقد. وقال كلوغه إن السبب الرئيسي لاحتفاظ الأسر والشركات بأموالها في أصول أكثر سيولة بدلا من حسابات الادخار لأجل هو انخفاض أسعار الفائدة.
وخفض البنك المركزي الروسي الشهر الماضي سعر الفائدة الأساسي إلى 14 في المئة، في خفضه العاشر على التوالي. وكان سعر الفائدة يبلغ 18 في المئة قبل عام. وجعل انخفاض أسعار الفائدة الاحتفاظ بالمدخرات في حسابات التوفير أقل جاذبية.