بينما تحتفل الولايات المتحدة هذا العام بالذكرى الـ250 لاستقلالها، تُستحضر قصة أمة عززت مكانتها كأقوى قوة في النظام الدولي. لكن هذا الاحتفال يأتي في وقت تتزايد فيه التساؤلات حول صورة واشنطن لدى حلفائها، والتحولات في سياستها الخارجية، ومدى انسجامها مع منظومة التحالفات التي بنتها على مدى عقود.
ومن أبرز المناطق التي تشهد هذا التساؤل دول الخليج التي تقيم علاقات استراتيجية مع واشنطن منذ منتصف القرن الماضي. ووفق تحليل نشرته قناة الجزيرة، اختلفت رسائل الإدارات الأمريكية المتعاقبة إلى حلفائها في السنوات الأخيرة، مما ولّد شعورًا واضحًا بـ'عتاب سياسي' في العواصم الخليجية.
شراكة تاريخية ولحظات انكسار
العلاقات التي انطلقت باللقاء التاريخي بين الملك المؤسس عبد العزيز بن عبد الرحمن آل سعود والرئيس الأمريكي فرانكلين روزفلت على متن الطراد كوينسي، تشكلت على أساس المصالح الاستراتيجية رغم تغير الإدارات والأولويات الدولية. وفي عهد الرئيس رونالد ريغان، برزت خلافات حول تعاون السعودية مع الصين، لكنها لم تمس جوهر التحالف.
قيادة الولايات المتحدة للتحالف الدولي لتحرير الكويت عام 1991 رسخت مفهوم الشراكة الأمنية، وكرست الاعتقاد بأن أمن الخليج جزء من المصالح العليا لواشنطن. وقد تجسد هذا الفهم لاحقًا في اتفاقيات دفاعية شاملة، وانتشار القواعد العسكرية الأمريكية في المنطقة، وآليات تعاون أمني امتدت لعقود.
لكن الأمور تغيرت في السنوات الأخيرة. فأزمة الخليج التي اندلعت بعد زيارة الرئيس دونالد ترامب للرياض في ولايته الأولى، تركت ندوبًا عميقة في بنية مجلس التعاون الخليجي، وأثارت علامات استفهام حول دور الولايات المتحدة في إدارة الخلافات بين الحلفاء.
ولاية ترامب الثانية والمواجهة العسكرية مع إيران
بدأت ولاية ترامب الثانية في أجواء مواجهة عسكرية مع إيران، واضعة المنطقة أمام اختبار صعب مجددًا. ويرى التحليل أن السؤال الجوهري بات يُطرح بإلحاح أكبر: هل ما زالت الولايات المتحدة تعتبر أمن الخليج جزءًا من أمنها الاستراتيجي؟
هذا السؤال لم يعد مقتصرًا على النقاشات الإعلامية والعامة، بل بدأ يجد طريقه، بدرجات متفاوتة، إلى الخطاب السياسي الرسمي. ويسود في العواصم الخليجية شعور بأن القرارات العسكرية الأخيرة اتُخذت دون تشاور كافٍ مع الدول التي تتحمل تبعات التصعيد في المنطقة. ويتعزز الانطباع بأن المخاوف الأمنية الإسرائيلية باتت أكثر تأثيرًا في عملية صنع القرار الأمريكي من المخاوف الأمنية للشركاء الخليجيين.
ويتأكد هذا الانطباع أكثر عند الحديث عن أنظمة الدفاع الجوي أو سرعة توفير الحماية لإسرائيل. في المقابل، يتنامى لدى الجانب الخليجي إحساس بأن أمن المنطقة أصبح جزءًا من حسابات ثانوية في إدارة الصراع.
جدل 'التكلفة المقبولة'
ويشدد التحليل على أن الأمر ليس عاطفيًا، بل يتعلق مباشرة بطبيعة مفهوم التحالف. فالدول تبني تحالفاتها على أساس تبادل المصالح والمسؤوليات، والتشاور في القرارات التي تمس أمن جميع الأطراف مباشرة. لذلك، فإن تصوير احتمال تعرض دول الخليج لهجمات إيرانية على أنه ضمن 'السيناريو المتوقع'، وتقديم الخطر الذي ستواجهه دول المنطقة باعتباره 'تكلفة مقبولة'، يُعد خطابًا تتجاوز آثاره السياسية حدود الحدث.
مثل هذا الخطاب يعيد تعريف حدود التزامات الولايات المتحدة تجاه شركائها، ويفتح نقاشًا مشروعًا حول طبيعة الضمانات الأمنية التي شكلت أساس العلاقة طوال عقود.
الرواية الإيرانية البديلة والحقائق
في المقابل، تحاول إيران تقديم رواية مختلفة. فمن وجهة نظر طهران، حولت القواعد العسكرية الأمريكية في الخليج دول المنطقة إلى أهداف للهجمات الإيرانية، وعجزت هذه القواعد عن توفير الأمن الذي أنشئت من أجله. غير أن التحليل يرى أن هذه الرواية لا تصمد أمام الحقائق. فالهجمات الإيرانية وقعت بعد وقت قصير من بدء المواجهة العسكرية، وقبل أن يتأكد استخدام تلك القواعد في العمليات.
كما أن الوجود العسكري الأمريكي لا يقتصر على الخليج؛ فهناك ترتيبات مماثلة في دول عدة، أبرزها قاعدة إنجرليك في تركيا. ولذلك، فإن ربط استهداف الخليج بمجرد وجود القواعد يعني تجاهل استراتيجية إيران في إدارة الصراع ورسائل الردع التي تسعى إلى إيصالها.
ويشير التحليل إلى أن وجود القواعد العسكرية يستند إلى اتفاقيات تبرمها دول ذات سيادة بما يخدم مصالحها الأمنية، ولا يمكن اختزال هذه الاتفاقيات في رواية تحاول تحميل الآخرين مسؤولية الخيارات العسكرية الإيرانية.
التحول الداخلي الأمريكي وتداعياته الدولية
التطورات الأخيرة توسع نطاق النقاش ليشمل صورة الولايات المتحدة نفسها. فالجدل الدائر في المجتمع الأمريكي حول الهجرة والمواطنة وصلاحيات السلطة التنفيذية والعلاقة مع المحكمة العليا، يشير إلى تحولات داخلية تتجاوز السياسة الخارجية. وتطرح هذه التحولات سؤالًا حول ما إذا كانت تعيد تعريف النموذج السياسي الأمريكي، أم أنها مجرد مرحلة عابرة.
قوة الولايات المتحدة لم تكن تستند فقط إلى قدراتها العسكرية والاقتصادية، بل أيضًا إلى نموذجها السياسي وقدرتها على تقديم نفسها كدولة مؤسسات تحكمها قواعد دستورية مستقرة. ولذلك، فإن أي تغيير في هذه الصورة ينعكس تلقائيًا على مكانتها الدولية ومستوى ثقة حلفائها بها.
ليس قطيعة، بل سعي لإعادة التوازن
من منظور خليجي، لا يتركز النقاش على رغبة في الابتعاد عن الولايات المتحدة. فهذا لا يتسق مع طبيعة المصالح المتبادلة ولا مع التشابك الاقتصادي والعسكري بين الجانبين. فدول الخليج لديها استثمارات ضخمة في الاقتصاد الأمريكي، وهناك تعاون طويل الأمد في مجالات الطاقة والتجارة والأمن. وقد لعبت دول الخليج طوال عقود دورًا مؤثرًا في استقرار أسواق النفط العالمية، واتخذت في مرات عديدة قرارات تراعي الاستقرار الاقتصادي الدولي حتى لو تعارضت مع مصالحها المباشرة.
لذلك، فإن مراجعة العلاقات مع واشنطن ليست سعيًا للقطيعة، بل بحثًا عن صيغة أكثر توازنًا تقوم على وضوح الالتزامات واحترام المصالح المتبادلة وتوسيع مساحة التشاور في القضايا التي تمس أمن المنطقة. ويعني ذلك أيضًا تنويع الشراكات الدولية، وتطوير الصناعات الدفاعية الوطنية، وتعزيز التعاون الإقليمي. وهي خيارات أصبحت جزءًا من التفكير الاستراتيجي الخليجي في السنوات الأخيرة، ولن تقتصر على الأزمة الراهنة.
تساؤلات مماثلة داخل الناتو
من النقاط اللافتة في التحليل أن هذا النقاش ليس خليجيًا فحسب. فحتى داخل حلف الناتو، تتزايد الدعوات إلى إعادة تقييم حجم الاعتماد على الولايات المتحدة وبناء قدرات دفاعية أوروبية أكثر استقلالية. وإذا كانت مثل هذه المراجعات تجري بين دول تشكل التحالف العسكري الأكثر تماسكًا في العالم، فمن الطبيعي أن تشهد منطقة الخليج تساؤلات مماثلة تشكلها حسابات المصالح الوطنية والتوازنات الأمنية الإقليمية والتحولات السريعة في بنية النظام الدولي.
لذلك، ينبغي تفسير عتاب الحليف للحليف ليس كأزمة في العلاقة، بل كمحاولة لتصحيح المسار قبل أن تتسع فجوة الثقة. فالتحالفات التي تمتد لعقود لا تبنى على المجاملات السياسية، بل على الصراحة ومراجعة الالتزامات وفقًا للظروف المتغيرة. وتبدو هذه المراجعة أكثر ضرورة من أي وقت مضى، في مرحلة جديدة تتغير فيها موازين القوى في الشرق الأوسط، وتختلف طبيعة التهديدات، ويصبح وضوح الرؤية بين الحلفاء شرطًا لاستدامة أي شراكة استراتيجية قابلة للحياة.